مرتضى الزبيدي
129
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
وقوله تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] ، وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر ونكير ، وفي الميزان والصراط والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم : أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [ الأعراف : 50 ] زعموا أن ذلك كله بلسان الحال . وغلا آخرون في حسم الباب . منهم أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه حتى منع تأويل قوله : كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : جزء من الآية 40 ] وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من اللّه تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكوّن حتى سمعت بعض أصحابه يقول : إنه حسم باب التأويل إلا ثلاثة ألفاظ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحجر الأسود يمين اللّه في عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) [ فصلت : 21 ] أي جعله ناطقا ( وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر ونكير ) حين حلول الإنسان في القبر ، وتلك المخاطبة أول فتانات القبور ، ( و ) كذلك ( في الميزان ) ذي الكفتين ووزن الأعمال ( وفي الحساب ) وتطاير الصحف في اليمين أو الشمال ، ( ومناظرات أهل النار وأهل الجنة وقولهم : أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ) [ الأعراف : 50 ] وأمثال ذلك . ( زعموا أن ذلك كله لسان الحال ) لا المقال حقيقة ، ( وغلا الآخرون ) منهم ( في حسم الباب ) أي سد باب التأويل مطلقا وهم من السلف . ( منهم ) الإمام ( أحمد بن ) محمد بن ( حنبل ) رحمه اللّه تعالى ( حتى منع تأويل قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ ) وهذا يعني سد باب التأويل على الإطلاق هو المفهوم من ظاهر مذهبه كما نقله الثقات عنه ، ( وزعموا ) أي اتباعه ومقلدوه ( أن ذلك خطاب ) من اللّه تعالى ( بحرف وصوت يوجد من اللّه تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكوّن ) . وقد ذكر أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي في كتابه : ( تحرير الأصول وتهذيب المنقول ) أن الكلام عند الإمام أحمد وجميع أصحابه ليس مشتركا بين العبارة ومدلولها ، بل هو الحروف المسموعة فهو حقيقة فيها مجاز في مدلولها ، ونقل عن بعض العلماء أن مذهب أحمد أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع ، وسيأتي البحث فيه في موضعه ونشبع الكلام هناك ، ( حتى سمعت بعض أصحابه ) أي الإمام أحمد ( يقول : إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ ) وردت . أحدها : ( قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه » ) قال العراقي : أخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد اللّه بن عمرو بلفظ : الحجر يمين اللّه في الأرض » اه . قلت : وأخرج الخطيب وابن عساكر عن جابر رفعه : « الحجر يمين اللّه في الأرض يصافح بها عباده » . قال ابن الجوزي في سنده إسحاق بن بشير كذبه ابن شيبة وغيره ، وقال الدارقطني : هو في عداد من يضع . وأخرج الديلمي عن أنس رفعه « الحجر يمين اللّه فمن مسحه فقد بايع اللّه » وفي سنده علي بن عمر السكري ضعفه البرقاني ، وأيضا العلاء بن سلمة الروّاس . قال الذهبي :